عودة الروح - نغم جديد على اوتار قديمة


أمسية عن إعادة إحياء بيت ستوبلير بالأقصر من موروث عمارة حسن فتحي
6 يونيو 2017
القاهرة

 
     
 
بالتعاون مع لجنة العمارة قام مركز طارق والي العمارة والتراث بتنظيم أمسية تحت عنوان "عودة الروح - نغم جديد على اوتار قديمة" تضمنت عرض  تجربة "مشروع تأهيل و إعادة إستخدام إستراحة ستوبلير بالاقصر من موروث حسن فتحي" كمركز تدريب لتقنيات التوثيق ، حيث يمثل المشروع الأول من نوعه في مجال إعادة تأهيل موروث المعماري حسن فتحي و خطوة أولى من حلم أكبر بترميم و إعادة إحياء باقي تراثه

 
 

احياء بيت ستوبلير من موروث عمارة حسن فتحي

إن تقدم الأمم والمجتمعات يتوقف على أحترامها لتراثها وهويتها دون الجمود عند الماضي على حساب الحاضر ، أو أسقاط وهدم الموروث لحساب المستقبل .. ولكن تبقى القضية في تحقيق التوازن المحسوب في ميزان الحاضر بين احترام الموروث والتطلع إلى المستقبل .لتطرح امام المعماري جدلية الابداع في ظل احترام الموروث مع تتابع الاجيال والأزمان وفي الوقت نفسه تحقيق  المطالب المجتمعية الأصيلة أو المستحدثة مع متغيرات العصر ؛ ومن جهة أخرى تستمر الجدلية بين هذا الموروث نفسه وبين التقنية المعاصرة له بعناصرها الفكرية والمادية والذاتية الخاصة .

والعمارة والعمران في معاصرتهما وفي تشكيلهما لتراث المجتمع وموروثاته الحضارية المتطورة والمتنوعة تخضع لهذه العلاقات الجدلية بما تحمله من تناقض وتفاعل ، وأيضاً من تحول يرتبط بالمتغيرات المجتمعية للانسان ذاته . فالتراث المعماري والعمراني لمجتمع معين ، هو عبارة عن تاريخ تطور هذه العلاقات الجدلية ما بين المطلب المجتمعي المرتبط بالوضع الاجتماعي لهذا المجتمع والذي لا يستقر في حالة إستكانة بل هو في حالة ديناميكية مستمرة التغيير ؛ وبين المرحلة التقنية للمرحلة التاريخية المعينة التي كانت متعايشة ومتزامنة ومعاصرة هذا المطلب .

فالمطالب المجتمعية هي مسألة عامة ، إلا أن كل من ترجمتها وتحويلها من فكر مجرد إلى وجود مادي ينطويان على عملية متعاقبة المراحل محورها الانسان الفرد بكل ما يحمله من تفاعلات وقدرات ابداعية ذاتية ، وهو ما يعطي للوجود المادي المتمثل في التشكيل المعماري أو العمراني خاصيته وتميزه من فردية مبدعه ، فالمسألة تصبح إذن في مصبها  مرتبطة بذاتية الانسان .. كما أنها  معتمدة على جماعية المطلب ..

هكذا فإن استقراء التراث والذات الانسانية معاً يعتمد على القدرة على أستقبال الرسالة بعقلانية تحترم وجدانها ؛ وإذ كنا نريد أن نقتنص روح هذا التراث والانسان ، فالمطلوب دراسة تلك الروح وفك شفرتها ولكنه ليس تحليل يهدر الروح والحياة أو مجرد فحص لمومياء محنطة أو جثة فارقتها الحياة ..

إننا كمعماريين وعمرانيين نتطلع إلى أن نعتصر روح المكان والمجتمع ، نستقطر الجغرافيا والتاريخ معاً بكل تنويعاتهما وتشعباتهما ، حتى نستقطر هذه الشفرة في أدق مقولة مرسلة مقبولة ومعقولة ، لتستحق أن تكون منقولة ومتوارثة ..

تضمن الحياة ولكنها لا تتجمد عندها ..

تحمل ديناميكية التغيير والأجتهاد والإستيعاب والفهم والتعقل ..

هنا يتحتم علينا فهم تلك العلاقات الجدلية بين الانسان بذاتيته وتراثه بعموميته وجماعيته ، حتى يمكننا التفاعل مع الموروث وابداع الجديد لنورثه ..

نتوقف اليوم عند واحد من ملامح تراثنا المعماري المصري  الممتدة جذورها في اعماق حضارتنا ..

عمارة قديمة جديدة متجددة ، تشكلت ملامحها عبر الازمان البعيدة ، اختلط خلالها تراب الارض الطيبة بملامح الفلاح صاحب الارض .. عمارة الطين .. اوتار قديمة يمكن ان نعزف عليها الحان جديدة .

عمارة الطين

عمارة الطين عرفها المصري منذ بزوغ فجر حضارته  واعلن بها اندلاع ثورة الإنسان المعمارية الأولى ، خرج بها من إطار المستهلك إلى دور المبدع .. متمردا بذلك على وضعه كمخلوق ضعيف متلقى بفطرته ، ليصل بإرادته إلى خلافة الله فى عمارة الأرض .. مستحقا تحمل تلك المسئولية التى خلقه الله سبحانه وتعالى لها ، وليحملها دون سائر المخلوقات .

قالب الطوب .. أول ثورة حرفية عمرانية مسجلة عرفتها الإنسانية وسجلتها ، لا ندرى كيف بدأت .. وإين بدأت .. ولكنها بدأت بإعلان الإنسان عن إبداعه تلك الوحدة البنائية .. ومستعملا فيها معطيات الطبيعة التى سخرها له الخالق سبحانه : الطين .. مستجيباً إلى دعوة البارئ المبدع حين خلقه على صورته من : الطين

قالب الطوب ..

 مبدأ العمارة الإنسانية ، وبداية الإدراك الهندسى المقنن بمنظومات بنائية ومعمارية ، وكانت بشائر عهد جديد وحضارة جديدة .. عنده ترسخ الإدراك الهندسى المنظومى للإنسان داخليا وخارجيا : الحضارات والمجتمعات .. بل وتخطت به تلك المجتمعات حدود الزمان والمكان .

كان هذا القالب الهندسى عالم من الممكنات دون ان تتحول أو تتبدل مادته رغم اختلاف صورته .. فالبناء المشيد بقوالب الطوب المصفوفة والمشدود بعضها ببعض يبدو فى خروجه من الأرض تابعاً لها .. ونابعاً منها .. ومتمماً لكيانها ، ولكن فى ذات اللحظة هو كتلة ذاتية لها طابعها الإنسانى النسبى رغم كونها تبدو من مادة هذه الأرض ، وليس لهذه الكتل البنائية لعمارة الإنسان ذلك التعبير المطلق لعمارة الطبيعة.. والكون .. سبحانه خالق السموات والأرض .

قانون واحد .. وصورمتعددة ..

بناء من الطوب .. يرتبط بالأرض ، ويرتفع إلى مافوق الأرض ..

صنعه الإنسان من ذاته وفكره .. مادته "الطين" خلق منها الإنسان نفسه

بناء له حساسية الإنسان المخلوق .. وذاتية الإنسان المبدع خليفة الخالق فى خلقه ..

يتواءم مع الطبيعة والطاقات الإبداعية فيها ، ويتحد مع عملية الخلق الأبدية فى الكون .. أعطى الإنسان للمادة صورتها الجديدة .. لإبداع عمارة جديدة من ذاتيته ..

كما اعطى للصورة روحها الجديدة .. لابداع عمارة جديدة من ذاتيتها..

فكانت المادة .. بصورتها وروحها ، خاضعة كلها للفكر الإنسانى والعقل البشرى .. وكان قالب الطوب الواحد على بساطة تشكيل تجسيداً لتلك المنظومة الهندسية التى اكتشفها الإنسان فى تضاد إرادى مع البناء العضوى لصورة الطبيعة .

كان تشكيل قالب الطوب خروج إلى ما وراء الطبيعة من قوانين ومنظومات هندسية حكمت التشكيل والبناء الكونى .. فرضت على  عمارة هذا الكون صورته وتركيباته وظواهره . كانت ثورة لاكتشاف المنظوم من وراء الغير منظوم .. أوهى ادراك اللامنظور من خلال المنظور .. إعادة تشكيل ذاتى لعمارة الأرض من خلال منظومات عمارة هذا الكون ..عندها حق للإنسان أن يعلن شرعيته للخلافة .

ادرك قبة السماء ، فبنى فى ثورته عمارة القباب تقنية للبناء فى ثورته المعمارية للطوب ، صورة وتشكيل يتكيفان ويكيفان الروح الإنسانية فى تطلعها إلى الائتمان وخلودها إلى الأمان ، ولم يفرض الإنسان المبدع هناك حلولاً خارجة عن انسانيته ، نمطية موحدة للكل ، ولكنه كان دائما متعاطفاً مع حاجيات الكل وبإرادته معبرأعن سلوكياتهم ، يتعاطف مع قالب الطوب الواحد المشكل للكل .. مبدعاً من التشكيل الصارم صوراً وتركيبات متوالدة .. يحكمها القانون ولا تحدها النمطية .. هنا أبدع الإنسان ابن البيئة عمارة تواصلت حلقاتها رغم تواتر العصور والحضارات ، استمر التشكيل الهندسى المنتظم لقالب الطوب أحد الخيوط الرفيعة التى نسجت حضارة هذا الانسان وضمنت لعمارته كفن وحرفة وعلم انتمائها وهويتها وإنسانيتها . بدأت ثورة الطوب المعمارية فى مكان معين .. وزمان محدد .. عمارة جديدة خرجت بالإنسان من دور المقلد إلى دور المبدع .. عمارة جديدة فرضت على الإنسان استنباط القوانين و المنظومات من القانون الأول .. من الواحد الأحد . خرجت هذه الثورة للعالم كله بفكرة جديدة ، انتشرت فى مشارق الأرض ومغاربها ، قامت عليها الحضارات .. واعتمرت بها المجتمعات  والمستقرات ..

عمارة الطين في مصر – من الزمان البعيد :

لقد كانت حضارة مصر وعمارتها واحدة .. بل السابقة فى ريادة تلك الثورة يحدها الفكر ويوجهها الانتماء الحضارى من قبل عصر الأسرات إلى الحضارة المصرية القديمة فالقبطية ثم الإسلامية إلى العصر الحديث . عمارة عاشتها مصر فى الوادى الضيق المحدود ، كما خرجت بها الى الصحراء الممتدة ، حمل معه إليها الإنسان المصرى المبدع القانون والمنظومة ، ولم يحمل الصورة والتشكيل ، تفاعل مع المكان ومعطياته مبدعاً .. وانسجم مع الزمان ومحدادته معاصراً .

تعاقبت عليه الحضارات والتى تبدو أحيانا متعارضة القيم ومختلفة العقائد والأنماط ، إلا ان هذا الإنسان المصرى البسيط احتفظ حتى الأمس القريب بفنه وحرفته المعمارية التى دائماً فى بيئته ، ومن خلال هذا التناغم اكتسب دوماً هويته وانتمائه ، ملبياً احتياجاته بفطرته وإرادته نحو البقاء .. ظلت هذه الثورة العقلية المعمارية باقية ما بقى الإنسان والمكان .. امتدت من عمق التاريخ لتصل إلينا اليوم محملة بكل تجارب الموروثات المعقول منها واللامعقول .. تباعدت الأزمنة وتقاربت الأمكنة هنا فى مصر وحضارة مصر ، سواء فى الوادى الضيق حول النيل أو هناك فى عمق الصحراء على جانبى الوادى فى الصحراء الممتدة وكأنها تحضن التاريخ والجغرافيا .. الإنسان والزمان .

عمارة الطين في مصر من العصر الحديث

لقد اثبتت عمارة الطين حضورها المتفاعل عبر تاريخ العمارة المصري القديم وامتدت حتى مشارف العصر الحديث ، حتى وقت ليس ببعيد كان الفلاحين المصريون يشيدون دورهم بنفس التقنيات التي سبقها اليهم اسلافهم القدماء ، ولا تزال في ثنايا القرى المصرية بقايا متناثرة من عمارة الطين المصرية التي شيدت في العصر الحديث تحكي كل منها كيف تتغير دورها المجتمعي .

ان رواد العمارة المصرية المحدثين في هذا القرن استطاعوا ان يكتسبوا من هذا الموروث الحضاري الكامن في عمارة الطين  الطاقة والقوة الدافعة لهم نحو افاق ابداعية يحترم فيها الانسان مكانه وزمانه من موقف عقلاني ، متوازن مع وجدانه .. فابدع هؤلاء عمارتهم المعاصرة دون ان تفقد اصالتها .. ميزان محسوب كما وضعه سبحانه ..

ادركوا بعقلهم وحسهم هذا الميزان الرباني في عمارة الكون ، واكتشفوا حضارة هذا المجتمع ومنطلقاتها وركائزها فأصبحوا معاصرين ثقافيا وحضاريا.

 من هؤلاء رمسيس ويصا واصف وحسن فتحي وآخرين. ابدع الجميع واجتهد كل وقدراته ومعياره الذاتي..

فهم البعض القانون .. وقلد البعض التشكيل..

من القانون خرج الاول بتشكيل متجدد ومن التشكيل سقط الآخر بتقليد متجمد..

يجتهد الاول فيجدد ويقلد الثاني فيتجمد

انها قضية حضارة ومجتمع الفرد فيه مسئول والكل فيها محاسب ..

فان الامم تحاسب بمجموعها ، كما يقول محمد اقبال .

وتبقى هي عمارة الشعب ..

عمارة الطين  في مصر في القرن الواحد والعشرين

ان ما قدمه حسن فتحي والآخرون من المبدعين سيظل وقفة حضارية شاهدة على قدرة الانسان المصري عندما يعي ذاته وقانون وجوده..

وتبقى جدليتنا نحن كيف نتعامل مع ما اورثونا ولكن لا كتراث نندمج فيه ونذوب في دروبه ومتعرجاته ، بل كمكتسبات انسانية علمية ومنهجية ، متجددة ومتطورة .

كيف نتعامل معه بمنهجية عقلانية  في فهم الموروث وتحليله وربطه بالتاريخ وفي الوقت نفسه وصله بالحاضر ، بالصورة التي تحوله الى " تراث نحتويه بدلا من ان يحتوينا "  

اننا ان لم نمارس العقلانية في تراثنا ومالم نفضح اصول الاستبداد ومظاهره في هذا التراث فاننا لن ننجح في تأسيس حداثة خاصة بنا ، حداثة ننخرط بها ومن خلالها في الحداثة المعاصرة كفاعلين وليس كمجرد منفعلين .نعبر بها من حالة الكلام الغوغائي الى الفعل العقلاني.ومن هذه التجارب تفاعلنا مع استراحة استوبلير

استراحة ستوبلير   

تقع الاستراحة فى مدخل وادى الملوك , بجانب منزل هوارد كارتر- الان متحف هوارد كارتر- و يرجع تاريخ بنائها الى 1950 ، بناها المعماري المصري حسن فتحي كمقر لـ الكسندر ستوبلير، عالم الاثارالمستشرق الفرنسى- من اصل بلجيكى - وكبير المرممين فى مصلحة الاثار فى هذا الوقت، لا توجد معلومات مؤكدة عن ألكسندر ستوبلير و لكن تشير  بعض المصادر الى دراسته الفنون فى باريس و احتكاكه بالوسط الفنى. حيث عمل الكسندر ستوبلير كمدرس للفنون فى باريس . من خلال عمله أوفد لمصر 1938 لاعطاء محاضرات عن تقنيات الرسم و الترميم . فى الوقت التى كانت تتعرض المقابر المصرية للتشويه و التدهور و كانت معرضة لخسارة زخارف الجدران البديعة ,فأوصى Etienne Drioton  عالم أثار فرنسى و مدير عام لمصلحة الاثار وقتها  باستخدام ستوبلير كخبير لترميم جدران المقابر فى جبانة طيبة ، و تدريب افراد لمساعدته فى هذه المهمة . سكن ستوبلير و أفراد فريقه فى بدايه عملهم فى بيت كارتر و بيت شيكاغو , ثم دعت الحاجة لبناء بيت جديد الا و هو استراحة ستوبلير الحالى . قضى ستوبلير 12 سنة فى مصر وبعض المصادر تقول انه غادر الى باريس بعد الثورة و مصادر اخر تقول انه غادر 1957. لا توجد اى معلومات دقيقة عما حدث للاستراحة بعد مغادرة  ألكسندر ستوبلير لمصر الا انه توجد بعض الاشارات غير المؤكدة الى استعمال الاستراحة لاغراض مؤقتة  والاغلب ان المبنى  ظل مهجور حتى وقت قريب.  تعود ملكية الاستراحة الى وزارة الأثار وهي غير مسجله كتراث معمارى . 

الاطارالمكاني لمجموعة بيوت البعثات الاستشراقية في القرن العشرين واعتمادها على استهلاك الموروث المعماري لعمارة الطين في جنوب الوادي

تأهيل واعادة استخدام استراحة ستوبلير

وفي تجربة تأهيل واعادة استخدام استراحة ستوبلير ، مركزا للتدريب على تقنيات التوثيق الاثري ، نقف اليوم امام تجربة لتحقيق ذلك التوازن المحسوب بين احترام الموروث والتطلع إلى المستقبل . تجربة تتداخل ابعادها وتتسع : بين الحفاظ على عمارة رائدة في زمانها وضمان استمراريتها المادية والثقافية ، وبين تحويلها الى منبريساهم في الحفاظ على التراث المعماري المصري بشكل عام . هي عودة الروح أو لحن جديد على اوتار قديمة ، ليست استهلاكا استشراقيا للموروث ولكنها حالة عقلانية لنقل الموروث الى معاصرة الحادث.

وتتعدى رؤيتنا لاعادة تأهيل استراحة ستوبلير - و المواقع ذات القيمة التاريخية والمعمارية بشكل عام- حدود المفاهيم التقليدية لكل من : الترميم بوصفه استعادة الوجود المادي المتدهور للمواقع ، والحفاظ بوصفه العمل على استدامة الوضع المادي القائم  واستمراريته للاجيال القادمة . حيث تمتد رؤيتنا لتشملهما معا ، في تزامن محسوب مع  استحضار القيمة التاريخية والمعمارية للموقع ، والعمل على وصل ماضيه بحاضره بصورة تضمن الاستمرارية المادية والثقافية . دون الحاجة للمفاضلة بين حماية الموروث لأجيال قادمة ،وتحقيق المعرفة لأجيال حاضرة.. مما يجعل من عملية اعادة التأهيل ميلاد جديد للموقع يحوله  الى كيان متفاعل مع مستجدات الحاضرو مساهم في ادراك المجتمع لقيمة عمرانه .وعودة الروح الى عمارة الشعب .نغم جديد على اوتار قديمة

 ومن هنا فان عملية اعادة التأهيل لا تقتصر على التدخلات المادية بصورها المختلفة لانقاذ المبنى ولا تبدأ بها ، بل باستقراء الموقع، بطريقة تحليلية وأحياناً نقدية ، وأكتشاف تلك الطاقات الكامنة التي تعطي للموجود وجوده وقيمته ؛ ثم صياغة عمارة ذات المكان و مجاله العمراني اليوم من خلالها .. ومن هذه الرؤية ننطلق لاعادة تأهيل المواقع ذات القيمة معتمدين على فهم وإدراك لمكنوناتها ويتأكد ذلك بتفاعل عمارة الأحتياجات المستحدثة وإنسجامها مع ذات المكان ؛ فتتشكل صورة جديدة قديمة لها دورها التنموي داخل  المجال العمراني والإطار المجتمعي المتفاعل معه .

ومن هنا يمكن القول ان رؤيتنا في اعادة تأهيل المواقع ذات القيمة لها هدفين رئيسيين:

ضمان الاستمرارية الثقافية: وذلك بالكشف عن القيمة التاريخية لتلك المواقع وتطور عمارتها وعمرانها وعلاقتها بالمجال العمراني المحيط بها والكشف عن الرسائل الثقافية التي قدمتها تلك المواقع في زمانها وتوقع الممكن تقديمه للحاضروالمستقبل .

ضمان الاستمرارية المادية: وذلك بتبني وسائل استعادة الوجود المادي الاصلي واتخاذ الاجراءات اللازمة لضمان وقف العوامل التي تهدد سلامته واستمراريته واتخاذ التدابير الوقائية لمنعها مستقبليا

وتفرض علينا تلك الرؤية التعامل مع الموقع بمنهجية واعية تحترم رسالته الثقافية من جهة ،ووجوده المادي من جهة اخرى . مما يحتم ان يتم التأهيل في  محورين متوازيين هما :

  • التخطيط لاعادة الاستخدام المعاصر لتحقيق الحداثة المنشودة

  • التأهيل المادي للاستراحة لضمان استمرارية ما تحمله من موروث

التخطيط لاعادة الاستخدام : التقنيات الحديثة في خدمة التراث

يطرح إعادة تأهيل استراحة ستوبلير نفسه كنموذجا ، لكيفية التعامل مع الرسائل الثقافية المتداخلة التي يحملها الينا الموقع . كل منها يحتل مكانته ومكانه في تجربة رائدة في زمان ميلادها .  المبنى بالاضافة الى عمارتة المتفردة  يحمل :

رسالة سابقة رائدة في زمانها ، سواء في عمارته الفريدة  او وظيفته السابقة ممتدة الاثر خارج النطاق العمراني المحدود للاستراحة بل والنطاق المحلي وهي : المساعدة في الكشف عن المعرفة الكامنة في طيبة  ونقلها الى العالم من خلال نشاطات الحركة الاستشراقية .

رسالة معاصرة هي نقل المعرفة والتقنية الحديثة من العالم الى طيبة  ، وتسليم راية من رايات الحفاظ على التراث الى ايدي صانعيه.اصحاب الحق فيه – المصريين. 

رسالة قديمة حديثة عن عمارة مصرية اصيلة متفردة متجذرة في تاريخها و متجددة في عطاءها

لقد صمم حسن فتحي استراحة ستوبلير لأحد العلماء المستشرقين  العاملين في مجال الترميم والحفاظ على آثار مدينة طيبة الجنائزية في منتصف القرن العشرين ، فكانت الاستراحة مستقرا ومسكنا ارتبط بالحفاظ على آثار المنطقة والقائمين عليه. فهي واحدة من محطات نقل خبرة هؤلاء العلماء المستشرقين ومعارفهم في مجال التوثيق والترميم الى الكوادر المصرية حينئذ ، والمبنى بتصميمه وعمارته يحتوي تلك الحالة من نقل الخبرات بمفاهيم وآليات النصف الاول من القرن العشرين

واليوم  ونحن بصدد اعادة تأهيل ذات المبنى والحفاظ على قيمته المعمارية التراثية ، وتكتمل ذات التجربة سواء في عمارة المبنى من خلال الحفاظ عليه واعادة ترميمه ، او في تمثل تجربة المحتوى في نقل الخبرات الحديثة في القرن الواحد والعشرين في مجال التوثيق والحفاظ على الآثار بتقنياتها المعاصرة من خلال اعادة توظيف المبنى مركزا لتدريب تقنيات التوثيق .لنقل العلم والمعرفة الى الكوادر المصرية

وبين الحفاظ على تراث المبنى المعماري وقيمته، وبين اعادة توظيف ذات المبنى نكون قد حققنا عودة كاملة الروح للتجربة واستدامة الفكرة ، للمبنى ومحتواه الانتفاعي .

فقد شهد مجال التوثيق الاثري تطورا هائلا في الآونة الاخيرة نظرا للتطور في  تقنيات  " المسح الضوئي " والتي توفر تسجيلا كامل التفاصيل عالي الدقة لأي قطعة اثرية . وتاتي اهمية استخدام تقنيات المسح الضوئي للمواقع الاثرية في نواح كثيرة .. فمن ناحية تمنح القدرة على رصد وتسجيل كامل وعالي الدقة للمواقع الاثرية في صيغ الكترونية ستساعد الدارسين لتلك المواقع وتسهل عملية اكتشاف المزيد من اسرارها .. وتعتبر الحاجة الى استخدام تفنيات المسح الضوئي في مجال التوثيق الاثري في مصر من حتميات المرحلة القادمة .. نظرا لما تزخر به الاراضي المصرية من كم هائل من المواقع الاثرية التي تحتاج الى جهد هائل في تسجيلها وتوثيقها وكذلك للتدهور الذي تعاني منه الكثير من المواقع الاثرية والذي يدفع القائمين عليها لاغلاقها عن الزيارات السياحية للحفاظ عليها .. ويؤثر سلبا على كل من الاستفادة العلمية والسياحية لتلك المواقع ..ويمثل مركز تدريب تقنيات التوثيق باستراحة ستوبلير الاول من نوعه في مصر و الأكثر تقدما في  العالم  ، ويهدف  المركز الى تدريب كوادرعمل مصرية على تقنيات المسح الضوئي ثلاثي الابعاد والتوثيق عالي الدقة  ، تكرس مجهوداته للحفاظ على التراث في مصر مع  ضمان مستوى عالى  من المهارة و المعرفة ،  وبالتالى زيادة فرص العمل في المنطقة وتنميتها.

التأهيل المادي للمبنى

تعرضت استراحة ستوبلير لعقود الى كثير من عوامل التدهورالمهددة للوجود  المادي الاستراحة ، نظرا للطبيعة الخاصة لعمارة الاستراحة . فان هدفنا كان تبنى الية واضحة وحاسمة نحو العناية بالمنزل وتشغيله حتى لا يتعرض مستقبليا لانتكاسات جديدة تهدد بقاؤه . وقد فرضت الطبيعة الخاصة لعمارة الاستراحة على التدخلات المادية ان تحترم عمارة الاستراحة وتقنيات بناءها ، الا ان كثير من مستجدات الحاضر، ظروف الموقع ، العمالة ، التكلفة ، ودواعي الاحتياجات المستحدثة فرضت ايضا ايجاد نوع من الموائمة  بين التقنيات التقليدية والخامات الطبيعية السابق استخدامها ، والجديد الذي يمكن استحداثة للحصول على نتائج اعلى كفاءة وانسب للاستخدامات الجديدة واكثر استدامه .

 

ختام

من مأثورات يوسف ادريس

لا أقول كل الحقيقة  .. ولكن كل ما أقول حقيقة

 

على النهج أردد

أنا غير قادر فعل كل الحق .. ولكن قادر كل ما أفعل حق

أنا ... من أنا ؟  .. أنا واحد

واحـــد من كل

والكل في واحد

وفيها وبها عودة الروح

 

لحظة الميلاد والحياة هي كشف

لحظة الرحيل والموت هي الكشف

بين لحظة ولحظة يكون الحق

ومع استدامة اللحظة تتجلى الاسرار

بين الشك واليقين .. بين الواقع والوهم

عندها عودة الروح إلى الحق

قول وفعل