الهوية والإنسان والعمارة


محاضرة عن تعريف الهوية وتأثيرها على العمارة
22 نوفمبر 2018
القاهرة

 
           
 
بدعوه من قسم التصميم الداخلي بكليه الفنون بجامعه اكتوبر للعلوم الحديثه والاداب MSA القى د طارق والي محاضره بعنوان الانسان والهويه والعماره تبعها حوار مفتوح مع الطلبه الحضور وفريق عمل الكليه، حيث طرحت خلال المحاضرة والنقاش موضوع الهوية والانسان والعمارة والعلاقة بين الادراك المجتمعي لمفهوم الهوية وابعاده المختلفة وبين انعكاس ذلك على ابداعاته المختلفة وفي مقدمتها العمارة .حيث تعبر الهوية المعمارية تعبيرًا حيًا وصادقًا عن ثقافة المجتمعات ، هي الترجمة الصادقة للمجتمع في أبعاده المادية والروحية ، وهي تذكير دائم وحلقة وصل بين المراحل الكبرى للتطور في ثقافة الشخصية الوطنية . . مع عرض  خاص لمسألة الهوية والانسان والعمارة في مصر.


 
 

الهُـويّة والإنســان والعمــارة

مفهــوم الهويـــــة ..

حرصت شعوب العالم منذُ بداية البشرية حتى اليوم إلى المحافظة على تميزها وتفردها اجتماعياً وقومياً وثقافياً  لذلك اهتمت بأن يكون لها هوية تساعد في الإعلاء من شأن الأفراد في المجتمعات ، وساهم وجود الهوية في زيادةِ الوعي بالذات الثقافية والاجتماعية ، مما ساهم في تميز الشعوب عن بعضهم بعضاً ، فالهوية جزء لا يتجزأ من نشأة الأفراد منذُ ولادتهم حتى رحيلهم عن الحياة.  ساهم وجود فكرة الهوية في التعبيرِ عن مجموعةٍ من السمات الخاصّة بشخصيّات الأفراد؛ لأنّ الهويّة تضيف للفرد الخصوصيّة والذاتية، كما إنها تعتبر الصورة التي تعكس ثقافته ، ولغته ، وعقيدته ، وحضارته ، وتاريخه ، وأيضاً تساهم في بناء جسور من التواصل بين كافة الأفراد سواء داخل مجتمعاتهم ، أو مع المجتمعات المختلفة عنهم اختلافاً جزئياً معتمداً على اختلاف اللغة أو الثّقافة أو الفكر ، أو اختلافاً كلياً في كافة المجالات دون استثناء . تعرف الهوية في اللغة بأنها مصطلح مشتق من الضمير هو ؛ ومعناها صفات الإنسان وحقيقته ، وأيضاً تُستخدم للإشارة إلى المعالم والخصائص التي تتميز بها الشخصية الفردية ، أما اصطلاحاً فتعرف الهويةُ بأنها مجموعة من المميزات التي يمتلكها الأفراد ، وتساهم في جعلهم يحققون صفة التفرد عن غيرهم ، وقد تكون هذه المميزات مشتركة بين جماعة من الناس سواء ضمن المجتمع أو الدولة . ومن التعريفات الأُخرى لمصطلحِ الهوية أنها كل شيء مشترك بين أفراد مجموعة محددة، أو شريحة اجتماعية تساهم في بناء محيط عامٍ لدولة ما، ويتمُ التعامل مع أولئك الأفراد وفقاً للهوية الخاصة بهم ، وعناصر الهوية شيء متحرك ديناميكي يمكن أن يبرز أحدها أو بعضها في مرحلة معينة وبعضها الآخر في مرحلة أخرى.

 

والهوية في الفلسفة هي حقيقة الشيء المطلقة ، والتي تشتمل على صفاته الجوهرية التي تميزه عن غيره . كما أنها خاصية مطابقة الشيء لنفسه أو مثيله ، ومن هنا فإن الهوية الثقافية لمجتمعٍ ما تعتبر القدر الثابت والجوهري والمشترك من الميزات والسمات العامة التي تميّز كل حضارةٍ أو مجتمعٍ عن الآخر.  ومن المستحيل أن نجد شعباً من غير هوية ، وهذا الأمر يدحض الزعم الذي يقول عن الهوية بأنها عبارة عن صورةٍ مغلوطة للذات ؛ أثبتت الدراسات السوسيولوجية أن لكل مجتمع أو أمه عدداً من الخصائص والسمات الاجتماعية والمعيشية والنفسية والتاريخية المتماثلة ، وهذه السمات تعبر عن كيانٍ ينصهر فيه أفراد منسجمون ومتشابهون بتأثير من هذه الميزات والخصائص التي تجمع ما بينهم . من منطلق هذا الشعور القومي فإن كل فرد يستمد إحساسه بالانتماء والهوية ، ويشعر بأنه ليس مجرد فكرة نكرة ، وإنما هو مشترك مع مجموعة كبيرة من الأفراد في عدد من المعطيات والأهداف والمكونات ، إضافة لانتمائه إلى ثقافة مركبة من جملة من الرموز والمعايير والصور، وفي حالة انعدام هذا الشعور بالانتماء من قبل الفرد نتيجة عدد من العوامل سواء كانت داخلية أو خارجية ، فإنه ينشأ في أعماقه ما يطلق عليه اسم أزمة الهوية والتي ينتج عنها أزمة وعي تؤدي إلى ضياع تلك الهوية بشكلٍ نهائي معلنة نهاية وجوده .

 

وقد أجمع المتخصصون على فكرة عدم وجود شعب دون هوية لكنهم اختلفوا في الشكل المحدد لتلك الهوية ، ومن هذا المنطلق انتقد بعضهم ما يطلق عليه الشكل الميتافيزيقي المحدد لهوية الشعوب والأمم ، ويعمل على تقديم شخصيتها ضمن إطار نماذج مثالية دون النظر إليها كمجموعات حية تتميز بالعديد من الاحتمالات الكاشفة عن ذاتها بعد عملية تحققها ، وقام هؤلاء بطرح مقاربة سيسيولوجية تظهر الهوية على أنها تتغذى بالتاريخ لتشكل بعدها استجابة مرنة متحولة مع تحول الأوضاع التاريخية والاجتماعية ، ومن هنا يرون بأن الهوية نسبية متغيرة مع حركة التاريخ والانعطافات التي يتعرض لها.  جدلية ثبوت الهوية أو تغيرها طرحت مسألة ثبات الهوية أو تغيرها على محك النقاش والمساءلة ، وقد أثبتت الجدالات العلمية أن هوية أية أمة أو مجتمع ليست أمراً ثابتاً ـ وفق رؤية المفكر محمد عابد الجابري ـ بل هي مرتبطة بكافة المؤثّرات الخارجية ، إضافة للتداول العلمي للثقافات والأفكار ، ولارتباطها بالصراع على السلطة ، وهذه الصراعات تؤثر عليها بشكل مباشر أو غير مباشر لعبة التوازنات والمؤثّرات الخارجيّة المحيطة . توجد مجموعة من العوامل التي تؤثر على بناء هوية الأفراد ؛ ومن أهمها :

المجتمع .. هو أول العوامل المؤثرة على بناءِ الهوية؛  إذ يساهم المجتمع في بناء هوية الأفراد وتشكيلها بناء على طبيعةِ البيئة المحيطة بهم ، ويتأثر الأفراد بسلوكيات الأجيال السابقة لهم سواء في العائلة أو الحي أو المجتمع عموماً ، وتساهم في بناء الهوية الفردية الخاصة بهم ومساعدتهم على فهمها .

الانتماء .. هو الارتباطُ بالمكان الذي يعتمد على دورِ الهوية في تعزيز مفهومه ؛ إذ ينتمي الفرد للدولة التي يعيش فيها ، ويعتبر مواطناً من مواطنيها ، وله حقوق وعليه واجب تنظمها أحكام الدستور، وعليه فإن الهوية عبارة عن وسيلة للتعزيز من هذا الانتماء عند الأفراد والجماعات .

 

بغض النظر عما إذا كانت الهوية جوهراً قائماً بذاته أو تعاقباً لحالات شعورية متباينة ، فإن الهوية ليست كيانا ميتافيزيقيا مكتمل التكوين منذ البدأ ، إنها سيرورة سيكلوجية تجد سندها المادي في الذاكرة ، وعملية تطورية تنشأ تدريجيا بفضل تفاعل الفرد مع الغير ، فإن فعل التذكر هو الذي يمنح الفرد شعوراً بهويته وبثباتها . ويتجلى هذا واضحاً في شعور الفرد داخلياً وعبر حياته باستمرار وحدة شخصيته ضمن الظروف المتعددة التي تمر بها ، كما يظهر بوضوح في وحدة الخبرة التي يمر بها في الحاضر واستمرار اتصالها مع الخبرة الماضية التي مر بها . وإذا كانت الذاكرة هي مايعطي لشعور الشخص بالأنا وبهويته ، فإن امتداد هذه الهوية في الزمان ، مرهون باتساع أو تقلص مدى الذكريات التي يستطيع الفكر أن يطالها الآن ، لهذا السبب عندما نتساءل عن ماهية الوعي المصاحب لجميع عمليات تفكيرنا نجيب ببساطة إن الوعي ذاكرة ، يوجد بوجودها ويتلف بتلفها . ومن الجدير بالذكر أن الوعي بالذات على هذا النحو ليس مقدرة غريزية أو إشراقاً فجائياً ، بل هو مسلسل تدريجي بطيء يمر أولاً عبر إدراك وحدة الجسم الذي ينفصل به الكائن عما عداه وعبر العلاقة مع الغير.  إن الفرد وبشكل مجرد سابق على كل تعيين أي وقبل أن يتحدد بطول قامته أو لون عينيه او مزاجه أو ثروته هو ذات مفكرة عاقلة واعية ، قوامها الأنا الذي يمثل جوهرها البسيط الثابت ، وذلك بغض النظر عن الاختلاف القائم بين الفلاسفة حول طبيعة هذا الأنا وعلاقته بالجسد والانطباعات الحسية والذاكرة .

 

أنــواع الهويـــــة ..

توجد العديد من التّعريفات الخاصة بالهوية ، وكل تعريف منها يهدف إلى توصيل مجموعة من الأفكار والمعلومات التي تعكس طبيعتها ، كما أن للهوية مجموعة من الأنواع ؛ كالهوية الوطنية، والثقافية ، وكلُ نوعٍ من هذه الأنواع يساهم في نقلِ صورة معينة عن الخصائص، والمكونات الخاصة بها ، وأيضاً تتميز بطاقة الهوية الرسمية التي تصدرها الجهات الحكومية في الدول بمجموعة من المحتويات الخاصة بها ، والتي تُساهم في التعريف بصاحبها ، كما أن أغلب الأفراد قد يتعرضون لإحدى الحالات الخاصة بالهوية ، وعليهم معرفة الطرق السليمة للتعامل معها وفهمِ مضمونها . وتوجد مجموعة من العوامل التي تؤثر على بناء الهوية عموماً عند الأفراد. تُقسمُ الهويّة إلى مجموعةٍ من الأنواع ، ويساهم كل نوعٍ منها في الإشارة إلى مصطلحٍ، أو فكرة معينة حول شيء ما ، ومن أهم أنواع الهوية :

  • الهوية الشــخصية .. هي الهوية التي تستخدم للإشارة إلى وطن الفرد ، والتي يتم التعريف عنها من خلال البطاقة الشخصية التي تحتوي على مجموعة من المعلومات والبيانات التي يتميز فيها الفرد الذي ينتمي إلى دولة ما ؛ والهوية الشخصية تعرف شخصا بشكله واسمه وصفاته وجنسيته وعمره وتاريخ ميلاده .. فهي الإحالة باستمرار إلى أنفسنا بضمير "أنـا" بوصفه وحدة وهوية تظل مطابقة لذاتها على الدوام ، غير أن هذه الوحدة تبدو بديهية . وليست الهوية الشخصية سوى ذلك الوعي أو المعرفة المصاحبة لإحساساتنا يرى "جون لوك" أن ما يجعل الشخص "هو نفسه" عبر أمكنة وأزمنة مختلفة ، هو ذلك الوعي أو المعرفة التي تصاحب مختلف أفعاله وحالاته الشعورية من شم وتذوق وسمع وإحساس وإرادة، تضاف إليها الذاكرة التي تربط الخبرات الشعورية الماضية بالخبرة الحالية، مما يعطي لهذا الوعي استمرارية في الزمان ، إذن الشخص هو ذلك الكائن الذي يحس ويتذكر .

 

  • الهوية الجمعيــــة (الوطنية / القومية) .. تدل على ميزات مشتركة أساسية لمجموعة من البشر، تميزهم عن مجموعات أخرى . أفراد المجموعة يتشابهون بالميزات الأساسية التي كونتهم كمجموعة ، وربما يختلفون في عناصر أخرى لكنها لا تؤثر على كونهم مجموعة .. فما يجمع شعب ما هو وجودهم في وطن واحد ولهم تاريخ طويل مشترك ، وفي العصر الحديث لهم أيضا دولة واحدة ومواطنة واحدة ، كل هذا يجعل منهم شعبا متمايزا رغم أنهم قد يختلفون فيما بينهم في الأديان أو اللغات أو أمور أخرى. العناصر التي يمكنها بلورة هوية جمعية كثيرة ، أهمها اشتراك الشعب أو المجموعة في : الأرض واللغة والتاريخ والحضارة والثقافة ، ... وغيرها.  وجدير بالإشارة أن عدد من الهويات القومية أو الوطنية تطور بشكل طبيعي عبر التاريخ وعدد منها نشأ بسبب أحداث أو صراعات أو تغيرات تاريخية سرعت في تبلور المجموعة ، وهناك تيارات عصرية تنادي بالعولمة وبنظرة حداثية تدعو إلى إلغاء الهوية الوطنية أو الهوية القومية.

والهوية ومسألة المواطنة من أكثر المستويات التي يتم استدعاء الهوية في جدلها المستوى المواطني على المستوى الحقوقي والوطني عند الحديث عن المواطنة كمفهوم مركزي في الدولة الحديثة يمثل مع السيادة الوطنية أهم مقومات الدولة القومية الحديثة  . والمواطنة في هذا التصور منتج طبيعي للحق في الجنسية ، ولكنها في سياقنا المصري والعربي تأخذ شكلا جماعاتيا متعلقا بالطوائف الدينية والعرقية ، ويكون الحديث فيه حول تأكيد هؤلاء هويتهم الطائفية أو بحث هوية الدولة -أي توجهاتها وسياساتها- التي تمثل خطرًا عليها وتنتهك الحقوق الثقافية والاجتماعية وربما الاقتصادية لها . وهنا يكون الانفتاح السياسي شرطًا للمواطنة إذا أردنا أن تكون الدولة حديثة ، فالحضور الطبيعي للهوية يكون بحضور الفعل وليس بحضور التاريخ ، أما إذا كبت الفعل وقيده ، حضر التاريخ وقبلياته الإثنية والدينية ما قبل الحديثة حكماً وموجهاً ، وليس هناك مثل الاستبداد يجمد الطاقة الإبداعية والحضور الفاعل للجماعات والأفراد مما ينشط التصورات الجامدة للهوية والتوجهات المتطرفة في مسألة المرجعية . ففي هذا المناخ لا تعاني الجماعات الدينية فقط الحضور المتضخم في الهوية ، ولكن كذلك الاتجاهات الفكرية والسياسية والأفراد الذين لا ينتمون لدائرة الحاكمين وفق منطق السلطة وفلسفة الأمر . فالهوية في أبعادها الثابتة ليست مشكلاً لأن عوامل الاندماج والاشتراك صارت كذلك ثابتا بفعل التراكم التاريخي ، ولكن المشكل هو الفاعلية والحرية المجتمعية والسياسية التي تتيح للجميع التعبير عن هويته .

 

  • الهوية الاجتماعية .. من نحن؟ .. يثير إدراك انتماء الأفراد للعديد من المجموعات الاجتماعية ذات الهويات الاجتماعية المتعددة المتشابهة سؤالاً مهمًا ؛ ألا وهو كيف يدمج الأفراد هذه الهويات الجماعية عند تعريف مجموعتهم الخاصة . والسؤال الأكثر تحديداً ، هل تؤدي زيادة عدد أعضاء المجموعة إلى تكوين مجموعات خاصة أكثر شمولاً أو أقل شمولاً ، وذلك مقارنة بهويات مجموعة واحدة؟ .. إن مفهوم الهوية الاجتماعية عبارة عن نظام نظري يشير إلى التمثيل الشخصي للفرد للعلاقات الداخلية بين الهويات الجماعية المتعددة . وتعكس الهوية الاجتماعية درجة التداخل المدرك وجودها بين المجموعات التي يكون فرد واحد عضواً فيها في وقت واحد ؛ هذا بالإضافة أن الانتساب إلى العديد من المجموعات المختلفة (العديد من الهويات الاجتماعية) ربما يؤدي إلى تفاقم عقدة الهوية الاجتماعية ؛ وهو ما يمكن أن يعزز تطور هويات اجتماعية فوقية .

 

  • الهوية السياسـية .. عبارة عن مجموعة من الحجج السياسية التي تركز على المصلحة الذاتية ووجهات النظر الخاصة بالمجموعات المصلحية الاجتماعية المحددة ذاتياً ، والوسائل التي يمكن عن طريقها تشكيل سياسات الشعوب بواسطة مظاهر هويتهم التي يتم تحديدها عن طريق العرق أو الطبقة أو الدين أو الإثنية أو الأيديولوجية أو الثقافة أو التفضيل المعلوماتي أو التاريخ أو الظروف المهنة أو أي شيء آخر مرتبط على نحو غير مضبوط ولكن بسيط بالنسبة لإدراك المنظمات الاجتماعية .

 

  • الهوية الثقافيــــــة .. هي الهوية التي ترتبط بمفهومِ الثقافة التي يتميز فيها مجتمع ما ، وتعتمد بشكل مباشر على اللغة ؛ إذ تتميز الهوية الثقافية بنقلها لطبيعة اللغة بصفتها من العوامل الرئيسية في بناءِ ثقافة الأفراد في المجتمع . وإجمالاً الهوية الثقافية هي عبارة عن ثقافة ما ، أو هوية لمجموعة ما أو شخص ما نظراً لإمكانية تأثر هذا الشخص بهوية المجموعة الثقافية ، أو ثقافته التي ينتمي إليها ؛ فهي الشعور بالانتماء إلى مجموعة ، وهو جزء من مفهوم الشخص الذاتي ونظرية الفهم الذاتي ويرتبط بالجنسية والإثنية والدين والطبقة الاجتماعية والموقع أو أي نوع من الفئات الاجتماعية التي لها ثقافتها الخاصة . كثير من دراسات الثقافة الحديثة و النظريات الاجتماعية قد تطرقت لموضوع الهوية الثقافية ، في العقود الأخيرة ، ظهر تعريف جديد غير الفهم السائد للفرد على أنه كتلة ثقافية واحدة متماسكة إلى أنه مجموعة من الهويات المختلفة . هذه الهويات الثقافية المختلفة يمكن أن تكون نتيجة لعدة ظروف منها : المكان والجنس والإثنية والتاريخ والجنسية واللغة والدين والجماليات وحتى الأكل . وتقسيم الثقافات يمكن أن يكون ممتازاً في بعض بقاع الأرض ، خصوصاً في الأماكن حيث أن السكان متنوعون إثنيا و وحدتهم الاجتماعية مبنية بشكل رئيسي على القيم والمعتقدات الاجتماعية المشتركة .

 

ومصطلح الهوية الثقافية يماثل أو يتقاطع مع مصطلح سياسة الهوية ؛ حيث إن الهوية هي ذات الفرد ، وتتضمن في معناها عدداً من القيم والمعايير ، وتشكل ثقافة الإنسان ومدى معرفته في عدد من المجالات المختلفة ، إضافة إلى إلمامه ووعيه بالقضايا المحيطة به في المجتمع حيث إنها تمثّل التراث الفكري له ؛ وهي تُعرف على أنها مجموعة من الملامح والأشكال الثقافية الأساسية الثابتة ، إضافة لهذا فهي تعني التناسق بين العقل والهوية عن طريق نبذ التعصب والتطرف العرقي والطائفي في شتى صوره وأشكاله وتعرف أيضاً على أنها مركب متجانس من التصورات والذكريات والرموز والقيم والإبداعات والتعبيرات والتطلعات لشخصٍ ما أو مجموعة ما ، وهذه المجموعة تشكل أمة بهويتها وحضارتها التي تختلف من مكانٍ لآخر في العالم .. وتعبر الهوية الثقافية عن الخصوصية التاريخية لمجموعة ما أو أمة ما ، إضافة إلى نظرة هذه المجموعة أو الأمة إلى الكون والموت والحياة ، إضافة إلى نظرتها للإنسان ومهامه وحدوده وقدراته ، والمسموح له والممنوع عنه . إذن فإن الهوية الثقافية عبارة عن عدد من التراكمات الثقافية والمعرفية ، سواء كانت تلك المعارف تأتي انطلاقاً من تقاليد وعادات في العائلة والمجتمع المحيط به ، عاشها الفرد منذ لحظة ميلاده فكانت الأساس في تكوينه طيلة أيام حياته ، وأصبحت جزءاً من طبيعته ، أو انطلاقاً من الدين ، وقد عبرت العديد من الحركات الفنية والثقافية عن مفهوم سياسات الهوية تلك ..

 

من الملاحظ أيضا أن الميدان الثقافي للفرد ، أو المكان الذي يعيش فيه ، يؤثر على الثقافة التى يسعى الفرد للالتزام بها . المحيط و البيئة والناس المتواجدون في هذه الأمكنة يلعبون دورا في كيفية شعور الفرد حيال الثقافة التي يرغب في تبنيها . كثير من المهاجرين يجدون حاجة لتغيير ثقافتهم لاجل التكيف مع الثقافة التي يتبناها معظم المواطنين في البلاد . يمكن أن يتناقض هذا مع إيمان المهاجر الحالي بثقافته ويمكن أن يؤدي إلى ظهور مشكلة لديه فيما هو يحاول الاختيار بين الثقافتين.  ومن نتائج ذلك نستنتج أنه يستحيل وقوع الهوية الثقافية تحت مقولة العولمة ، وذلك لتعدد الثقافات حول العالم ، حيث إنّها لا توجد هناك ثقافةٌ عالميةٌ واحدة ، ويستحيل أن تتواجد في يومٍ من الأيام ، لكن المتواجد عدد من الثقافات المتعددة والمتنوعة على مستوى الأفراد والجماعات والأمم ، وتعمل كل ثقافة من هذه الثقافات بصورة عفوية وتلقائية ، أو عن طريق تدخلٍ من أصحاب هذه الثقافة بهدف الحفاظ على مقوماتها وكيانها الخاص ، ومنها ما يميل إلى الانكماش والانغلاق ، ونوع آخر من الثقافات يهدف إلى التوسع والانتشار.  إذن فإن الهوية الثقافية تغطّي ثلاثة مستويات فردية وجماعية ووطنيّة أو قومية ؛ بحيث يتمّ تحديد العلاقة بين هذه المستويات بنوع الآخر المواجه لها ، والعلاقة بين أطراف الهوية الثقافية وهم الأفراد والجماعات والمجتمع أو الأمة تأخذ شكل المد والجزر . الهوية الثقافيّة عبارة عن كيانٍ يمكن أن يتطور ، ولا يمكن تحديدها كمعطى نهائي ؛ حيث إنها يمكن أن تسير في اتجاه الانكماش والتقلص أو باتجاه الانتشار ، وتمتاز هذه الهوية بغناها الناتج عن تجارب أصحابها وكم المعاناة التي مروا بها ونجاحاتهم وانتصاراتهم وتطلعاتهم إضافةً إلى احتكاكها الإيجابي أو السلبي بالهويات الثقافيةِ الأخرى التي تتداخل معها بشكلٍ أو آخر .

 

الهوية في الجدل الثقافي والسياسي .. يتم تناول الهوية على المستوى الثقافي كمحدد لما يمكن أن يسمى الخصوصية الثقافية أو الشخصية القومية ، وبمثل هذا المفهوم يأتي الخوف مما يسمى التنميط الثقافي للعولمة ، وهنا يحضر التاريخ والثقافة كعنصر مهم في تشكل الهوية ، يتجلى في نشاطية الجماعات الثقافية في التكتل حول نفسها واتجاه معظمهم لتخليد وحفظ الذاكرة الخاصة به . ويتم الترادف في هذا السياق بين مفهوم الهوية وبين مفهوم الخصوصية الثقافية والحضارية أو الموقف الحضاري والقيمي ، وهو أمر مهم أقره العهد الدولي الثاني للحقوق الثقافية والاجتماعية والثقافية ، ويعد مخزونه حاملا مهماً من حوامل الفاعلية المجتمعية والسياسية ، بل الإبداعية ، لكن شريطة عدم اعتبار هذه الخصوصية خصوصية مغلقة خارج التطور الحادث . الثقافات والحضارات ليست أسوارا بين جزر متنافرة ومتحاربة  ولكنها تشكل في التاريخ ما يحمل من الاتصال والحوار أضعاف ما يحمل من الصراع والحراب . فالهوية كتشكل ثابت يصير في التاريخ النسبي يخضع لعوامل التحدي والاستجابة حسب السياقات المختلفة التي تتجلى فيها الهوية خطاباً وسياسات ؛ فكل عناصر الهوية تستدعى في أثناء الحرب وفي أجواء المقاومة من عنصر ديني وثقافي وحضاري وإثني ولغوي ، كما تستدعى حسب مستوى الاستقطاب الحادث بين الذات التي تمثلها حينئذ وبين الآخر المستنفر لها ؛ ففي الجدل الوطني يأتي جدلها محمولا على حقوق الأقلية والأغلبية وفي الجدل العالمي يأتي في صورة حضارية أو تاريخية . كما هو الشأن في العصر الاستعماري والحديث عن الشرق التحرري والغرب الإمبريالي ، وفي ظل العولمة كان تجليه متنوعاً حسب موقع الملتزمين خطاب الهوية ومرجعياتهم ..عولمة أم ضد العولمة ، شرقيين كانوا أو غربيين؛ فالهوية في عصر العولمة تأكد انتقالها من كونها دوائر انتماء مصمتة إلى كونها رؤية للعالم .

 

الهوية الثقافية والعولمــــة .. المقصود هنا هو جعل الشيء عالميّ الانتشار من ناحية المدى والتطبيق ؛ حتى يكون مفهوماً ومناسباً ومتناولاً للجميع ، وتكون العولمة في المرتبة الأولى اقتصادية ثم سياسيةً ، وتتبعها بعد ذلك في النواحي الاجتماعيةِ والثقافية ، كما تمتدّ العولمة من ناحية أخرى لتكون عمليةً تحكميةً تتضمن وضع مجموعةٍ من القوانين والحواجز التي تربط الدول مع بعضها البعض . تسعى العولمة حاليّاً إلى تصدير مجموعةٍ من القيم الغربية ؛ من أجل فرضها على جميع أمم وشعوب الأرض ، حتى يتمّ الحصول في النهاية على نموذجٍ ثابتٍ للثقافة في العالم بأجمعه بالاعتماد على الثقافة الغربية ، من خلال الانتصار على التجارب الأخرى التي عرفتها المجتمعات ، ومن هنا يمكن تعريف العولمة الثقافية على أنها محاولة مجتمعٍ يمتلك نموذجاً ثقافي معيناً بتعميمه على بقية المجتمعات ، وذلك من خلال التأثير على مجموعة من الأنماط السلوكية لأفراد هذه المجتمعات والمفاهيم الحضارية ، إضافة إلى القيم الثقافية ، بالاستعانة بوسائل ثقافية واقتصادية وتقنية مختلفة منها العمارة . ويوجد بين مفهومي الهوية الثقافية والعولمة مجموعة من العلاقات الجدلية ، والمميزة ، والفريدة من نوعها في طبيعة العلاقة التي تربط بين الأشياء والمفاهيم ، ولكنهما بشكلٍ عام مفهومان متجاذبان ، ومتقاطبان ، ومتكاملان في نفس الوقت ، ومن هنا يمكن اعتبار الهوية هي الطريدة ، وتأخذ العولمة دور الصيّاد ؛ على اعتبار أنّ الهوية مطارَدةٌ ومحاصَرةٌ وملاحًقةٌ من العولمة،  التي تُجهز عليها وتتغذى بها  لذلك تعاند الهوية هنا كلّ أسباب الفناء والذوبان ، مطالبةً بالأمن والأمان والاستقرار، والتشبث بالوجود والديمومة .. في النهاية يمكن القول بأن العولمة تعني ذوبان الخصوصية ، من خلال انتقالها من الجزء الخاص إلى العام ، ومن الجهة الجزئية إلى الكلية ، ومن المحدود إلى الشامل ، وعلى العكس من ذلك تاخذ الهوية اتجاهاً كليًّ ومتقاطباً مع مفهومي العمومية والشمولية .

 

  • الهوية المعماريــة .. إن عمارة المجتمع هي الصورة التي تعكس بل تمثل التقدم ، أن جزءا مركزياً من المشاكل التي تواجهه مجتمعاتنا اليوم تتمثل في أن معظم النخب الحاكمه مرت بعملية انفصال عن جذورها الثقافية ، لقد قاد هذا الشرخ وانفصام الرؤية الثقافية ، حيث يقترن التراث التاريخي والثقافي والديني والروحي بالرجعية والفقر ، بينما تم استعارة هذه الصورة التي تمثل التقدم من مكان آخر ومن الغرب تحديداً . المشكلة التي تنشأ من استعارة هذه الصورة التي تمثل هذا التقدم  هي مشكلة قاسية ، وتخلق تحديا كبيرا للمعماريين إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الروابط الهامة بين العمارة والمجتمع . إن الهوية الثقافية المتغيرة في المجتمع كما يرسمها الفلاسفة والفنانين والمعماريين تتحمل المسؤولية في المساعدة في توصيف تلك الصورة التي تمثل التقدم والتي تُرسم من المجتمع (أو نخبتة على الأقل) . إن التعبير الملموس عن ذلك المجتمع في معظم البلدان العربية اليوم كثيراً ما يقترن بمشهد الأفق في منهاتن ولا يترك الكثير من المجال لمقاربة حيث تكون أكثر احتراماً للاستمرارية الثقافية وأكثر انسجاماً مع بيئة المجتمع . إن الواجب الملقى على عاتق المعماريين ليس سهلاً حيث يجب إقناع الآخر بالبدائل ومحاولة إيجاد هوية معمارية محلية ذات علاقة ثقافية مناخيه بيئيه لهذا المجتمع . وهذا يبدأ تدريجياً من  المجتمع ، وخاصة من الطبقة المتوسطة الدنيا ، ويتم ذلك عبر ..

 

  • ادراك الماضي.. إن قراءة الماضي من خلال معالمه االشاخصه لـه من الأهمية بمكان لمعرفة ملامح عمرانية هامة لأي مجتمع ، والحفاظ على هذه المباني سواءً كانت تاريخية ذات بعد اثري أو غيره فالمعماري المحافظ على التراث يواجهه تحدياً كبيراً في كيفية توظيف هذا المبنى أو ذك لملائمة العصر وهذا ما يدعم التشبث بالماضي وترسيخ أقدامه وذلك لاندفاعه للمستقبل  فقراءه الماضي لا تتم فقط بالحفاظ على المبنى ، وإنما بمفهوم الفراغ العمراني  والفراغات والعلاقات المتبادلة ، فترميم هذا المبنى أو ذك أو إعادة توظيفه ليس من الضروري أي يكون حلاً إذا ما اخذ التعامل مع الماضي كمبان مفردة دون قراءة النسيج العمراني المحيط بذلك المبنى . وهنا يكمن التحدي الملقى على المعماريين لفك رموز الماضي ، يعني هذا مميزات الهوية المحلية ذات الأهمية الكبيرة لامتلاك درجة رفيعة من المعرفة والمقدرة على قراءة المضمون الرمزي لهذا التراث لتوظيفه بأسلوب جديد لانتاج مباني لها علاقة بالحاضر والمستقبل وتحاول تأصيل هذه الرموز بلغة عصرية تلائم المجتمع .
  • فهم الحاضر .. إن التغيرات المتسارعة التي تؤثر على المجتمع الحالي المؤثرة بشكل أساسي على بيئته وتفكير المجتمع الحالي مع العلم ان المجتمع في كثير من الأحيان يفكر وينفي هذه المؤثرات وذلك من خلال إطلاق صفه الكمال على الماضي الذي لا يتواجد فيزيائية إلى في الأذهان كمقابل للحاضر الغير مقبول . إن عملية التحول في المجتمع سوءا كانت تقنية أم اقتصادية أم ثقافية أم سياسية أم أيدلوجية هي مكونات معروفة لدينا من خلال ربطها معا لأنها تؤثر فينا شئنا أم أبينا . إن التفاعل بين الجديد والقديم سواءً  في التخطيط العمراني أو التصميم المعماري هو تفاعل غير مدروس بشكل كافي وبالتالي فان الشرخ في النسيج العمراني هو نتيجة حتمية وواضحة حولنا . هذا التفاعل مبنى على هشاشة واضحة ؛ شوارع كبيرة أبنية عالية صناعة وإنتاج ، مواصلات ، سيارات ، وثروة استعراضية ، يضاف إلى هذا كله إن التأثير المنتظم لحركة الحداثة في التفكير المعماري خلال القرن العشرين قد ساعد على تقوية نزعة البيئة نحو العالمية ومن ثم ما يدعي بالعولمة المدعومة من نمو الاتصالات والمواصلات منذ الحرب العالمية الثانية . إن الفرق في طوفان التكنولوجيا الغربية والمستوردات الثقافية المختلفة ما هو إلا جزء من المعاناة التي يعانيها المعماري من اجل إيجاد بيئة ثقافية تقدم له تصوراً مقبولاً عن الهوية بما يتناسب مع ظروف المحلية الإقليمية الوطنية . والنسخ الوضيع عن الماضي  ليس هو الحل والهروب إلى الماضي يجب أن يدرك التغيرات المعاصرة من تكنولوجيا وغيرها من المعايير ويجب أن يدرك المقياس التكنولوجي الذي يربط بين البيئة العمرانية المبنية والبيئة المراد بناؤها فطريق التميز والنجاح يتطلب الخلق والإبداع .
  • الحلم للمستقبل .. المستقبل بعيد المدى وعلى المعماريين إتقان وامتلاك مجموعة كبيرة من المهارات وطريقة تطبيقها ، وهي اكبر بكثير مما يحضرهم التعليم المعماري حالياً حيث القدرة على فك رموز العمارة القديمة بما يمكنهم فهم كيف نظر الأقدمين لماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم مسلحين بمعرفتهم القائمة على المقارنة ويجب معرفة الحاضر وإمكانياته وتياراته وهذا بحد ذاته مربك ومحير فبينما يدوم بقاء المبنى سرعان ما تزول مدرسته المعمارية وربما خلال سنوات محدودة ومن هنا يجب على المعماريين ليس فقط التفكير بمبانيهم الفردية فقط ولكن بعلاقتها مع المجتمع والمحيط الأكبر . ويجب الجمع بين كل ما سبق وتفعيل منتجاتهم إلى طوال مدة وجودها "الديمومة والاستمرارية" بجدارة كما فعلت المباني العظيمة في الماضي في مرحلة الامتياز والبراعة وحسب القول المثالي "انه ليس لعصر وإنما لكل العصور".

تعبر الهوية المعمارية تعبيرًا حيًا وصادقًا عن ثقافة المجتمعات

هي الترجمة الصادقة للمجتمع في أبعاده المادية والروحية

وهي تذكير دائم وحلقة وصل بين المراحل الكبرى للتطور في ثقافة الشخصية الوطنية

 هي ليست مرادفًا للعمارة التراثية بل إن التراث ما هو إلا عاملا مؤثرا فيها ، فالهوية المعمارية تترجم الهوية الثقافية للمجتمع في سياق تفاعلها الإنساني والحضاري عبر الأزمنة المختلفة ، فما تتضمنه الهوية المعمارية ماهو إلا تعبيرعن الوعي بالهوية الثقافية وفهم المجتمع وانتمائه لهويته الوطنية ، أما العمارة ضبابية الملامح فلا تعكس إلا تشوشًا في صياغة ملامح الهوية الثقافية الوطنية .  الهوية كما أشرنا تُعرف بأنها سمات خاصة يمكن من خلالها تمييز شخص عن آخر أو جماعة عن أخرى أو ثقافة عن أخرى .. وهي الخصوصية الثقافية التي تنمي الإحساس بالذات وتفعل الأنا وتحدد الشخصية الحضارية وتؤكد موقعها في الحضارة الإنسانية .. فهي بأختصار الإجابة على سؤال من أكون  .والهوية مركب من العناصر المرجعية المادية والاجتماعية والذاتية التي تسمح بتعريف خاص للشخصية الوطنية وطالما أنها مركب من عناصر فهي ضرورة متغيرة في الوقت ذاته الذي تتميز فيه بثبات معين ، وهي ليست كتاباً يُعطى دفعة واحدة وإلى الأبد إنما هي حقيقة تولد وتنمو وتتكون وتتغاير وتشيخ وتعاني من الأزمات الوجودية؛ أما الهوية المعمارية فهي التفرد والتميز المعماري لمجتمع ما ، ويأتي هذا التفرد من العوامل المحيطة بهذا المجتمع من عوامل سياسية واقتصادية وبيئية واجتماعية وثقافية ، ولا يمكننا التطرق للهوية المعمارية دون أن يصبح الحديث عن الهوية الثقافية الوطنية شيئاً محورياً ، لأن تشكيل الهوية الثقافية يؤثر بشكل لافت على الهوية المعمارية التي بدورها تعبر بشكل حي عن ثقافة المجتمعات وتعتبر انعكاساً اصيلاً وترجمة حقيقية لطبيعة المجتمع وتقاليده بأبعاده الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والسياسية والتاريخية ، فالعمارة هى سجل لعقائد المجتمعات والشعوب و هى المرآة التى تنعكس عليها ثقافات الشعوب ونهضتها وتطورها ، ومعنى ذلك أن العمارة هى صورة للمجتمع  .وجدير بالإشارة هنا إلى الخلط بين الهوية المعمارية والتراث ، أن التراث ماهو إلا تقليد لم يعد مستخدما سواء كان حرفة أو لغة أو نمط من أنماط الحياة ، والسؤال المطروح فيما يخص الهوية الحالية ما الذي سنستحضره من الموروث والذي سوف نحافظ عليه من التقليد وهل التقليد يتعارض أم يتماشى مع احتياجاتنا العصرية ؟ يمكن أن نستعيد من الموروث ملامح في صورة مفردات نغذي بها الطرز الحديثة المتلائمة مع احتياجاتنا العصرية فأضيف لكل ما هو عصري بعداً حضارياً فيما يعرف ببصمة الهوية ، يقول بوراسا «إن هويات الجماعات الثقافية يمكن تحقيقها رمزيًا فلا توجد ثقافة دون نظام للرموز لتمثيل هذه الثقافة، والثقافة لا تسعى إلى تأكيد فقط في الأشكال الرمزية لكنها تسعى للحفاظ على نفسها عبر هذه الأشكال .. ففطرة الانسان مبنية على بناء علاقات قوية مع ما يحيط به من أشكال فكلما كان الشكل معبراً عن الشخص أي مرتبطًاً بمعتقداته وقيمه وأعرافه كلما أصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية المحلية وأصبح قادراً على الاستمرار عبر الزمن .

الحالة المصرية ..

أثر التراث المصري القديم وما تبعه من حلقات في الثقافة الإسلامية وانعكس هذا التأثير في الشخصية المعمارية في المرحلة الإسلامية ، سواء كانت مصر دولة مستقلة تماماً في فترات انفصالها عن الخلافة العباسية أو في فترات وجود دول قوية بعد الحروب كالدولة المملوكية والأيوبية أو حتى في فترات وجود الخلافة في مصر كالدولة الفاطمية ، كانت تلك الحضارة هي حضارة مصرية خالصة اختلفت تماما عن حضارات الدول الإسلامية الأخرى ، لذا فبيت القصيد هو أن شكل العمارة وشكل العمران ، صورة الحضارة تغيرت في مصر فقط عند تغير المعتقد لكن كلا الحضارتين قد بنيت بسواعد مصرية وبفكر مصري ، ولأن الدولة المصرية القديمة كانت كهنوتية فإن الغوص في بحور العقيدة وتسخير وسائل التعبير في خدمة العقيدة كان من مهارات الشعب المصري على اختلاف مستوياته الفكرية ، فما وجده المصريون سابقاً من اختلافات جعلهم يخلقون صيغة مناسبة يحافظون بها على ثقافتهم الموروثة في ظل المعطيات الجديدة ، فالمصريون استطاعوا تغيير التفصيلة باستخدام نفس القماش لكنهم لم يستبدلوه بقماش آخر.  ومع دخول مصر تحت مظلة الدولة العثمانية في بدايات القرن السادس عشر ، لم تقل أهمية المعتقد أو هيمنته في تشكيل الهوية الثقافية المصرية ، لكن كانت السلطة العليا (الباب العالي) تنظر إلى مصر كمصدر للثروات والمهارات متجاهلة تماماً موروث مصر الثقافي ، فمرت البلاد بعدة قرون من الخفوت كحضارة مؤثرة في المنطقة والعالم حتي بدأت مرحلة جديدة من التغيير مع بداية القرن التاسع عشر تزامنًا مع تولى محمد على حكم مصر وتعد تلك المرحلة من أهم المراحل الانتقالية في تاريخ الشخصية المصرية ، فقد بدأ بتغيير المؤسسة المهيمنة من المؤسسة الدينية إلى المؤسسة العسكرية وكان هذا أول تحول وبعد أقل من نصف قرن استطاعت أسرة محمد على تغييرالدور التاريخي لمصر منذ فجر التاريخ فدائماً وأبداً كانت مصر مصدراً للضوء في جميع المجالات حتى تحولت مع فكرة التحديث إلى لعب دور المتلقي المظلم وهذا التغيير هو الذي أوجد ما يعرف بقاهرة نهاية القرن التاسع عشر والتي تعتبر ترجمة للتغيير الذي أصاب الشخصية المصرية لأن هذه المرة تم استيراد ثقافة بجنباتها من سلوك ولغة ووسائل تعبير ربما لم تمتد وتتوسع لكنها وُجدت ولا يمكن تجاهل تأثيرها في المسار الزمني للشخصية المصرية ويعتبر هذا هو التحول الثاني .

أتى سؤال الهوية في الوعي الحديث متأخراً عن سؤال النهضة الذي بدأ مع الحملة الفرنسية ولم يرحل معها حين رحلت ؛ فقد سيطر على الجميع سؤالها وتوترها الوجودي ، وإن صيغ بصيغة البحث عن العلة والسبب (لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا؟)، فإنه كان تعبيرا عن سؤال الكينونة وتحققها في مسار التاريخ الذي تخلفنا عن ركبه ، أي كان سؤال النهضة -بشكل من الأشكال- سؤالا كامنا حول الهوية . ولم يكن وضوح سؤال الهوية وبروزه على سطح الجدل والوعي العربي ، إلا مع حمأة جدل النهضة والتخلف ذاته ، ومع تفجر الحديث عن المرجعية التشريعية والقيمية منذ حكم الخديوي إسماعيل ، وتواتر الحديث عن الرابطة والجامعة السياسية منذ أخريات القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين ، هل هي رابطة وطنية أم شرقية أم إسلامية أم عربية … إلخ ، وقد أتى سؤال الهوية بمدلولاته المختلفة محمولاً على ثلاثة أمور بشكل رئيسي ..

  • طرح الحداثة الغربية كنموذج يجب تمثله والتزامه ، خاصة بعد أن صار تفوق الحضارة الغربية والاستعمار واقعاً لا يمكن إنكاره ، ما نشط مفهوم الهوية واستعماله كتعبير عن الخصوصية . كما نشط كتعبير عن الانتماء وتجل للحديث عن المواطنة مع قانون الملة سواء في ترويج الاستعمار للأقلية ودعوى حمايتها وهو ما وجد تجاوباً من بعض الأقليات أو نشاط الإرساليات التبشيرية ..
  • ما جد من أسئلة وجدل حول دوائر الانتماء الثقافية والجغرافية المختلفة ، التي ضاقت من الدائرة الإسلامية إلى الدائرة المصرية والوطنية في أوائل القرن العشرين إلى المتوسطية في عشرينيات وثلاثينيات القرن إلى الشرقية والعربية في نفس هذا التاريخ وبعده ، وما زاد الهوية وسؤالها حضورا هو عدم حسم أي من هذه الدوائر -والتيارات التي تحملها- الإجابة لصالحها ؛ فقد استمر الجميع بجوار الجميع ولا يزالون ..
  • صعود ما يسمى بعصر القومية دوليا وعربيا ، وتصورات الأمة - الدولة كطريق للوحدة خاصة التصور اللغوي والثقافي لها الذي كان حلا لمسألة التنوع الديني بالخصوص وإن فجر التنوع العرقي بشكل آخر . ولكن كان للصعود القومي الذي استمر عقوداً ، ونجح في الوصول لسدة الحكم في عدد من البلاد العربية منذ الخمسينيات ، وما حملته معها من خطاب قومي يعادي الاستعمار وسياساته ..

إن المصري لم يكن يوماً مشوشاً فيما يخص ملامح هويته الثقافية قديماً ، وكان خير من عبر عنها في الفنون المختلفة ولا سيما العمارة التي رصدت كيف يُعنى المصري بالمحافظة على هويته الثقافية عن طريق تطويعها لتتناسب مع المعطيات المتجددة دوماً ضمن مراحل التطور المختلفة والعصور المتباينة التي مرت عليه ، فهو لم يطمسها ولم يستبدلها وكانت هي الأصل الذي صاغه بما يلائم ما يتأثر به من حديث وما يطرأ على ثقافته من وارد يتبناه ليفرز لنا منتجاً مصرياً في ثوب يناسب عصره ، ولفظ كل ما لا يعبر عنه أو يمثله وإن كان بديعاً ، وحساسيته تجاه كل ما هو مفتعل بفعل ظروف سياسية لأنظمة حكم مختلفة توالت عليه فلم يعلق بذاكرته إلا كل ما شعر أنه يشبه ملامحه فكانت هويته الثقافية معروفة وواضحة صاغها بأشكال مختلفة تعبيراً عن تفاعلها الإنساني والحضاري في كل زمان حتى الأمس القريب . أما ما نراه الآن هو حالة من الفوضى المعمارية ودليل واضح على فقدان ملامح ومحددات الشخصية الثقافية الوطنية ، فأصبحت المدينة خلفية لصورة غير محددة الملامح أو الشخصية وبالتالي بلا هوية ، وأصبحت العمارة صماء فاقدة لكل وسائل تفاعلها مع المستخدم ، يجب أن نبدأ في تحديد الملامح الثقافية للشخصية المصرية من هى الآن وما الذي يعبر عنها ، ما هي نسبة الموروث داخلها وما هو قدر المدخل من الثقافات الغربية ، ماهى رسالة الدولة التي يجب أن تنعكس في مبانيها الحكومية ، يجب أن نحدد الإجابات على كل تلك الأسئلة قبل البدء في أية مشروعات عمرانية جديدة حتي لا نصيب الشخصية المصرية بمزيد من التشوه وفقدان الملامح الذي حتما سينعكس على الحياة الاجتماعية من سلوك فوضوي ويؤثر على الحالة الشعورية فيفرز فنا عبثيا مشوها فاقدا للرؤية والهدف والرسالة ، إن الفوضى العمرانية كما تبدو عشوائية الاتجاه والطابع إلا أنها خلفية محايدة لأي توجه واضح تتبنى فيه الدولة نموذجا يعبر عن شخصيتها ويؤمن بتلك الشخصية المبدعون فيعبروا عنها إبداعياً فتعبر الموسيقى عما يعبر عنه الفن التشكيلي وتعكس العمارة مخلوط الفن كتعبير شعوري والتصميم كتعبير فكري تلك الشخصية ، فلم يفت الآوان بعد لقيام الدولة بتحديد رسالتها ولم ينضب العقل المصري بعد عن ضخ منتجه الإبداعي والعصري .

طـــارق والي

نوفمبر 2018