نهج البواطن فى عمارة المساكن
 

إن أول الأسباب التى دعت الإنسان إلى تشكيل وإبداع عمارة هو حاجته للمأوى حماية من الطبيعية ، فكان المسكن أول عمل معمارى ، وكانت تلك أول المؤثرات فى تكوين الفكرة المعمارية للمسكن ... ولكن ، إذا كان هذا هو المنطلق الوحيد ، فلماذا اختار الإنسان أن يعيش "ويسكن" فى كهوف صنعتها الطبيعة ، بل إنها فى بطن الطبيعة ذاته ، والتفسير العقلى هو ذلك التشابه بين قوة احتواء هذه الكهوف فى بطن الطبيعة وبين رحم الأم حيث تولد الإنسانية فى كل لحظة من الأزل إلى الأبد . والخروج من رحم الأرض يشابه ميلاد الطفل والخروج إلى النور ، فالطفل يجد الراحة والسكينة فى رحم أمه ، ولكن هذا لا يمنع عملية الميلاد . وهكذا قد يجد الإنسان الراحة فى كهفه ولكن لا بد من خروجه إلى النور ليمارس حياته ..

فالطفل لا يستطيع أن يمنع ميلاده .. كما أن الأم لا تستطيع إلا أن تهب هذا الميلاد.

فالإنسان يبغى من وراء هذا الرحم الجديد الوحدة التى فقدها بميلاده ..

ولم تقف احتياجات الإنسان عند حد معين .. ومع عملية الإبداع الفراغى للمسكن ، كان على الإنسان أن يختار ليس مجرد التفكير النفسى واحتياجاته للحماية أو الاتزان الداخلى ، ولكن كان عليه أن يعبر عن هذا المضمون بإبداع تشكيلات تعبر عن تلك الدوافع الباطنية عنده ليصل إلى وحدة الشكل والمضمون . وهنا يحدد المؤلف ماهية المسكن وعمارته الأولى فى : " أنه فراغ إنسانى تحكمه وتحدد شكله انفعالات الإنسان الداخلية الشعورية والاشعورية ".

دأب الإنسان على تطوير فكرة مسكنه عاكساً تأثيرات اجتماعية مختلفة نمت وتطورت مع تطور علاقاته الإجتماعية وتكون العائلة التى أصبحت الحجر الأساسى فى كل مجتمع والمحور الذى تتصل به شبكة العلاقات الإجتماعية فى هذا المجتمع .. كما اختلفت طبيعة تكوين هذه الشبكة ونسبة قوى العلاقات التى تحتويها من مجتمع لآخر ومن فترة زمنية لآخرى فى المجتمع نفسه متأثرة بالتطور الذى يخضع له ذلك المجتمع نتيجة ، منها اعتناقه للأديان والمعتقدات ، ومنها المؤثرات الحضارية التى تحدث نتيجة لتفاعل ذلك المجتمع مع مجتمعات أخرى ذات خلفيات حضارية مختلفة . وقد تطورت حياة الإنسان مع تطور الحضارات ، وتغيرت وانقلبت ابداعاته الحضارية فى كافة المجالات والميادين حسب انتمائه الثقافى والحضارى ، ولكن ظل المبدأ الأساسى لتشكيل المسكن عنده هو الوصول إلى الأمن والاتزان الداخلى واستمرت عمارة المسكن مع تغير تشكيلاتها تسعى لتحقيق هذه الغاية .

ويهدف المؤلف من هذا الكتاب ليس تحليل القيم التي قامت عليها عمارة المساكن ، ولكن يبحث ويقدم المبدأ الأساسي لتشكيل المسكن مع اختلاف البيئات والثقافات وتداول الحضارات ويرى المؤلف إنه من هذا النهج أبدع الإنسان فكرة الحوش أو الصحن أو الفناء الداخلى كظاهرة معمارية واكبت الحضارة الإنسانية منذ بدايتها وحتى الآن ، وقد لا تكون الحل الوحيد المحقق لهذا النهج الإنسانى ، ولكنها بالتأكيد الحل الأمثل له . ويقدم الكتاب قراءة لهذا النهج ما بين المورث من عمارة السلف وامكانية الصياغة للتجربة والنهج بذات القانون في صورة مختلفة لعمارة اليوم من خلال تصميمات وتجارب معمارية للمؤلف في البحرين تم تنفيذها في ممارسته المعمارية .

وعندها حققت فكرة الحوش نهج البواطن فى عمارة المساكن .

طارق والى

10 أغسطس 1992

إضغط لتحميل الكتاب ico_14_pdfPrivate Skies
Tags: Residence Book