نهج البقاء فى عمارة الصحراء

ترانيم معماريـــــــــــة

هذا الكتاب ليس فى عمارة الصحراء بالمدلول التقنى للمصطلح ولكنه رؤى يستشعر بها المؤلف رومانسية الصحراء في ابداعيات الانسان الذى رغب بفطرته أن يكون وأن يبقى .. كتاب فى عمارة الصحراء ، لكنه نهج البقاء .. فإنه نهج البقاء فى عمارة الصحراء ، بحثا عن واقعية وهروباً إلى خيال .. ولد الانسان ليبقى .. وبقى الإنسان ليموت ، وبين الميلاد والموت هو مستخلف من الخالق فى عمارة الأرض مسئوليه تحملها بفطرته .. فطرة وإرادة للمخلوق فى حب الخالق ، فطرة وإرادة فى البقاء لا الخلود ، فعمارة الأرض من عمارة هذا الكون الواسع ، مبدأ أزلى .. إنها سيمفونية دائمة ومتطورة ، ولكنها ليست فوضوية الأنغام .

من هذا المبدأ يعتقد المؤلف إن حتمية الوجود والبقاء تفرض على الإنسان التحدى والانسجام .. التحدى من أجل الوجود ، والانسجام من أجل البقاء .. فجميع المخلوقات تولد لتموت ولا إرادة لها ، فقد فطرها الله لما خلقت له ، أما الإنسان فهو وحده صاحب العقل والأختيار وإرادة الحياة والبقاء .. بقاء لموروثات متراكمة حملها عن سلفه ليحملها إلى خلفه ، سلسلة متواصلة . وأنتشر الإنسان شعوب وقبائل وجماعات فى الأرض اختلفت به وحوله الظروف .. واختلف هو معها وبها ، لتتعارف الأجزاء وتتواحد .. فإن التوحد بين الاختلافات ، ولكن فى حدود التكامل والانسجام المتناغم .

من هذا التنوع الابداعى قامت الحضارات .. وبهذا الاختلاف توارثت الأجيال الثقافات ، وطورتها .. وبهذا بقيت المجتمعات تحيا وتسبّح بحمده سبحانه خالق كل شىء ، وترتل كلماته سبحانه ترتيلاً ينسجم مع كل مخلوقاته ، إنه خروج من فطرة المفعول .. إلى إرادة الفاعل .. إنه عمارة الأرض على نهج البقاء ضمن سيمفونية الكون المطلقة له.. الانسان هو الملحن والعازف والمتلقي .

نقف هنا عند نهج البقاء فى عمارة الصحراء .. نقف فى هذا الكتاب نسمع ونرى من تلك السيمفونية ثلاث ترانيم معمارية انسجمت مع بعضها ، تباعدت أزمانها واختلفت ظروفها الحضارية ، وتناغمت تردداتها وتشكيلاتها وتكويناتها ، اختلفت ثقافات وحضارات الانسان المبدع لها .. وانسجمت ارادته مع الصحراء في مصر .. ترانيم معمارية اختلفت .. وبقى المكان .. الصحراء حقيقة ومعنى ثابتة وراسخة ..

ترنيمة تأتى من عبق التاريخ ، من القرن الرابع الميلادى لقرية قبطية مصرية عاشت فى تحدى للاضطهاد الرومانى الدينى ، وتحدى للظروف الطبيعية .. لتبقى أكثر من ألف وخمسمائة عام .. عمارة البجوات ..

وترنيمة تأتى من حياة المجتمع عاش بها الانسان واستمر فى حياته متطوراً ومطوراً لعمارته إلى اليوم .. عمارة شعبية أبدعها المجتمع بفطرته ملبياً للمتغيرات ومتحديداً للفناء .. ليبقى مئات السنين مستمراً .. عمارة الواحات ..

وترنيمة تأتى من عقل الانسان المبدع .. المعمارى الحديث زمانياً والمعاصر ثقافياً وحضارياً ، الذى أدرك وفهم فأبدع واحترم عقله ومكانه فاكتسب بإرادته أصالته ومعاصرته .. أبدع عمارته منسجماً مع ظروف بيئته واعياً لإمكاناتها ، عمارة أبدعها المعمارى المصرى "حسن فتحى" وأبدع معه وبعده معماريون .. عمارة المنظومات ..

ترانيم معمارية .. يفهمها من أراد البقاء بعمارته على :

نهج البقاء فى عمارة الصحراء .

 

طارق والى

5 يناير 1996

Desert-cover